الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

470

انوار الأصول

هذا كلّه بناءً على القول بالسببية . وأمّا على مبنى الطريقيّة فذهب أكثرهم إلى التساقط ، واستدلّوا لذلك بوجود العلم الإجمالي بكذب أحد الطريقين ، حيث إنّه يوجب عدم اعتماد العرف بكليهما فيسقط كلّ واحد منهما عن الطريقيّة والحجّية . وإن شئت قلت : إنّ أغلب الطرق الشرعيّة مأخوذة من الطرق العقلائيّة وامضاء لها ، ولا إشكال في أنّ العرف والعقلاء في باب الشهادات والدعاوي ومقام القضاء وغيرها يحكمون ببطلان كلا الطريقين إذا شهد كلّ منهما على خلاف الآخر مثلًا . وللمحقّق الأصفهاني رحمه الله كلام في هذا المجال لا تخلو الإشارة إليه من فائدة ، وحاصله : أنّ الاحتمالات المتصوّرة في ما نحن فيه أربعة : 1 - أن يكون أحدهما لا بعينه حجّة ، فإنّه إذا علمنا بكذب أحدهما لا بعينه صارت الحجّة أيضاً أحدهما لا بعينه ، ولا إشكال في بطلان هذا الاحتمال لأنّ عنوان أحدهما لا بعينه انتزاع ذهني لا وجود له في الخارج ، فلا تتعلّق به وصف الحجّية ، فإنّ الصفات سواء كانت حقيقية أو اعتبارية لا تعرض إلّا للوجود الخارجي . 2 - أن تكون الحجّة ما يكون مطابقاً للواقع ، وهذا أيضاً لا يمكن الالتزام به لعدم العلم بمطابقة واحد منهما للواقع وإن احتمل ذلك ، فإنّ المفروض ظنّية كلّ واحد من الخبرين . 3 - أن يكون كلّ منهما حجّة ( وكأنّ مراده حجّية كليهما في مدلولهما الالتزامي وهو نفي الثالث ) ولكنّه أيضاً لا يمكن الالتزام به لأنّه وإن كان المقتضي للحجّية في كليهما موجوداً والمانع مفقوداً ولكن سنخ المقتضي لا يقبل التعدّد ، لأنّ تنجّز الواقع الواحد على تقدير الإصابة لا يعقل فعليته في كليهما ، فالواقع غير قابل للفعلية إلّا في أحدهما . 4 - عدم حجّية كليهما ، وهذا هو المتعيّن « 1 » . أقول : وهنا احتمال خامس وهو التخيير ، ولكنّه أيضاً منتفٍ لعدم الدليل عليه من العقل ولا النقل ( إلّا في مورد خاصّ ) . فتلخّص من جميع ذلك أنّ الأصل في المتعارضين التساقط .

--> ( 1 ) راجع نهاية الدراية : ج 5 - 6 ، ص 285 - 287 ، طبعة مؤسسة آل البيت .